** نظام ساهر .. لم يمض على تطبيقه في السعودية غير فترة قصيرة , لكنه مع ذلك صار حديث المجالس الذي لا يعلو عليه حدي , بل وقفز أيضا إلى ساحة الشعر والقصيد , وصار مادة متداولة على ألسنة الشعراء .. وأظن أن كل هذا أمر طبيعي , كأي تنظيم جديد لابد أن تتشكل أمامه ردود فعل متباينة في أوساط الناس , فهناك من وقف متوجسا منه , ساخطا عليه ومعترضا , وثمة في المقابل من رحب به وتلقفه بسعة صدر وصفق له .. يقول أحد الشعراء :
نظام ساهر كاميراته خفيه
لا تسرعون وتقطعون الإشارات
ما عاد فيها واسطات وحميّه
خـلـك نـظـامــيـا ً وقــد المهـمـات
إلى أن يقول :
يا لسايق الطايش تركّد شويه
لا تحسب أنه كل يوم سلامات
شوف الحوادث كل صبح وعشيه
فيهم مصابين وفيهم وفيات
** الشاعر الذي قال الأبيات أعلاه ليس هو وحده الذي تفجرت قريحته الشعرية أمام نظام ساهر , بل أن غيره الكثير ممن قرأت وسمعت لهم , حتى أن بعض الأشعار كانت تقطر اتهاما صريحا لـ ( ساهر ) وأنه مجرد جابٍ للضرائب , أو ( أذيّة ) و ( بليّة ) .. هوت على رؤوس الناس - بحسب تفكير أولئك النفر من الشعراء .
** ومادام الأمر كذلك فانه من غير المستبعد أن يكون ( نظام ساهر ) قد غشي حتى مجالس الربابة , تلك الآلة الوترية الموسيقية الشرقية , التي يحلو ترديد أبيات من الشعر النبطي الجميل على أنغامها الرخيمة وسط البراري , وفي حضرة الأصحاب بقرب ( المشب ) .. فيما يتم تناول أقداح من القهوة العربية المطعمة بالهبل , وفي جو المساء الهادئ , إلا من نسمات هواء عليلة تهب على الصحراء , لتضيف للمكان شاعرية أخرى .
** و( الحاصل والفاصل ) كما هو أسلوب الكاتب العكاظي الساخر محمد الحساني أننا قوم لا نرحب كثيرا بالجديد , حتى ولو كان هذا الجديد يسعى لحمايتنا , ويساهم في سلامتنا ويدرأ عنا عذاب هذه الحوادث المرورية , التي أقضت مضاجعنا وصار تقتل الألوف منا سنويا , في مذابح متوالية فوق صفحة الإسفلت .
** نظام ساهر .. ببساطة هو صيغة تنظيم مرورية اليكترونية هدفها صناعة ( هيبة مرورية ) على أنقاض سنوات طويلة سابقة , من فوضى السير واختلاط الحابل بالنابل .. صحيح أنه إجراء تأخر كثيرا وغاب طويلا , ولكن أن تحضر متأخرا خير من أن لا تحضر أبدا .. وبالمناسبة فان دولا خليجية اصغر مساحة وإمكانيات من المملكة , عرفت نظام ضبط السير اليكترونيا قبلنا بأكثر من عشرين عاما .
** ودعونا حقيقة نرفع القبعة احتراما لهذا الضيف الجديد , الذي نعول عليه الكثير في أن يعلمنا الانضباط وان يجعلنا نلحق بالآخرين , الذين يشكل ( السير الملتزم ) عندهم قيمة حضارية عالية يفخرون ويفاخرون بها .. ولا اظن اننا سنصل الى مستوى الطموح بسهولة ولا خلال سنة او سنتين او خمسا , لأن معظمنا قد درج دهرا على تعاطى فوضى السير بسبب غياب التنظيمات الحازمة كهذه التي جاء يبشر بها ( ساهر ) .
** غير أننا نتطلع بأمل عريض إلى أن يكون ( الشارع ) عندنا وبعد سنوات قليلة ( عنواننا - لنا ) عندما يزورنا الآخرون , بعد أن تنحسر كل ألوان الصفاقة والعشوائية والتهور التي يمارسها أكثرنا حاليا .. فقد تعبنا حقيقة من هذا الهدر البشري والمادي الذي أخذته منا حوادث المرور , وأصبح من غير المقبول إلا أن نقول بصوت واحد ومدوٍ .. أهلا وسهلا بالسيد – ساهر .. ليس في بعض الشوارع وفي أركان منها , بل في كل شبر تمر منه سياراتنا .
** أما أولئك الحانقون على ( ساهر ) فان عليهم أن يعلموا أنه لن يكون لحن ربابة عذبة وحسب , بل سيكون أهزوجة وطنية - ينبغي أن يردد لحنها الجميع .
(*) صحفي وكاتب بجريدة البلاد – جدة
bakeet8@hotmail.com
نشر بتاريخ 24-07-2010 |